
من كتاب " النحت في الزمن" للمخرج الروسي " أندريه تاركوفسكي"، عن دار " ميريت"، ترجمة " أمين صالح" :
" إن المتفرج، فيما يشتري تذكرته، يبدو كما لو كان يلتمس سد النقص، أو إكمال الفجوات في تجربته الخاصة، راميًا نفسه في بحث عن " زمن مفقود". بتعبير آخر، هو يسعى إلى ملء ذلك الخواء الروحي الذي تشكل نتيجة الشروط الخاصة لهذه الكينونة الحديثة: نشاط متواصل، تقليص الاتصال الإنساني، والنزعة المادية للتربية العصرية.
طبعًا بإمكان المرء أن يقول بأن عدم كفاية التجربة الروحية ربما تكون أيضًا محققة عبر الفنون الأخرى وعبر الأدب. ( حالما يفكر المرء في البحث عن الزمن الضائع، يتذكر بالطبع عنوان رواية بروست) لكن أيا من الفنون المعروفة و" المحترمة" لا تملك هذه الجماهيرية الهائلة كما السينما. ربما الإيقاع، الطريقة التي توصل السينما إلى جمهورها تلك التجربة المكثفة التي يريد مبدع الفيلم أن يتقاسمها معهم، ينسجم – هذا الإيقاع – إلى حد بعيد مع إيقاعات الحياة الحديثة. ربما يكون صحيحًا القول بأن الجمهور قد علق مفتونًا بديناميكية السينما ولم تجرفه الإثارة التي تحدثها السينما. ( شيء واحد مع ذلك، مؤكد: الجمهور العريض متفاوت، وتلك الشرائح الخاملة، غير الفعالة، من الجمهور هي التي تتأثر بسهولة أكثر بفعل الاستثارة والجدة). إن استجابات الجمهورالمعاصر تجاه أي فيلم هي مختلفة من حيث المبدأ عن الانطباعات التي أحدثتها أعمال سنوات العشرينات والثلاثينات. عندما ذهب الآلاف من الناس في روسيا لمشاهدة شاباييف، على سبيل المثال، فإن الانطباع، أو بالأحرى الإلهام، الذي أحدثه الفيلم كان متلائمًا تماما، كما بدا آنذاك، مع خاصيته: لقد قُدم إلى الجمهور عمل فني، لكن هذا العمل جذبهم قبل كل شيء لأن كان نموذجًا لنوع جديد وغير مألوف.
نحن الآن نعيش وضعًا حيث الجمهور في أحوال كثيرة يفضل عملا تجاريًا تافهًا على فيلم بيرجمان ( الفراولة البرية) أو فيلم أنتونيوني ( الخسوف). المشتغلون بالبمهنة يهزون أكتافهم بلا مبالاة، ويتوقعون بأن الأعمال الجادة الهامة سوف لن تحرز النجاح مع الجمهور العام.
ما هو تفسر ذلك؟ انحطاط في الذوق أم فقر في الأعمال؟ لا هذا ولا ذاك.
ذلك ببساطة لأن السينما الآن توجد وتنمو ضمن شروط جديدة. الانطباع الآسر، الشامل، الذي غمر ذات مرة جماهير سنوات الثلاثينات، وجد تفسيره في البهجة العامة، العالمية، لأولئك الذين كانوا يشهدون بفرح بالغ ولادة شكل فني جديد والذي، علاوة على ذلك، أضيف إليه الصوت مؤخرًا. عبر الواقع الفعلي لوجود هذا الفن الجديد الذي أظهر نوعًا جديدا من الوحدة الكاملة، نوعًا جديدا من الصورة وكشف عن مجالات من الواقع غير مستكشفة، عبر كل هذا استطاع الفن الجديد أن يذهل جمهوره ويحولهم إلى معجبين متحمسين بالفيلم. أقل من عشرين سنة تفصلنا عن القرن الواحد والعشرين. خلال وجودها، وعبر قممها وأغوارها، سلكت السينما طريقًا طويلاً ومتعرجًا. العلاقة التي نمت بين الأفلام الفنية والسينما التجارية ليست سهلة وسلسة، والفجوة بينهما تصبح أوسع كل يوم. مع ذلك، فإن الأفلام يتم تحقيقها طوال الوقت والتي هي، يقيتًا، علامات في تاريخ السينما. الجمهور أصبح أكثر فطنة وإدراكًا في موقفهم من الأفلام. والسينما، في حد ذاتها، قد كفت منذ زمن طويل عن إدهاشهم بوصفها ظاهرة جديدة وأصيلة، وفي الوقت نفسه يتوقع منها أن تلبي مدى أوسع من الحاجات الفردية. لقد كشف الجمهور عن ما يميلون إليه ومالا يحبونه، ذلك يعني أن صانع الفيلم بدوره له جمهور ثابت، له دائرته الخاصة. إن اختلاف الذوق عند الجمهور يمكن أن يكون شديدًا، لكن هذا لا يدعو إلى الأسف أن ينذر بخطر، فحقيقة أن الناس لديهم مقاييسهم الجمالية الخاصة يدل على نمو الوعي الذاتي.
المخرجون يمضون عميقًا نحو المجالات التي تعنيهم. هناك جمهور مخلص ومخرجون مفضلون، لذا ليس ثمة مجال للتفكير بلغة النجاح التام مع الجمهور، إذا تحدث المرء عن السينما بوصفها فنا وليس ترفيها. الشعبية الجماهيرية تقترح ما يعرف بالثقافة الجماهيرية وليس الفن.
نقاد السينما السوفيتية يؤكدون أن الثقافة الجماهيرية تعيش وتزدهر في الغرب، في حين أن الفنانين السوفييت مطالبين بمواصلة التأرجح على مقولة" الفن الحقيقي للشعب".
في الواقع هم مهتمون بتحقيق أفلام ذات جاذبية جماهيرية، وبينما يتحدثون على نحو طنان عن تطوير" التقاليد الواقعية الحقيقية" للسينما السوفيتية، هم في الواقع، باطمئنان ودماثة، يعطون الضوء الأخضر لأفلام بعيدة تمامًا عن العالم الحقيقي وعن تلك المشاكل التي يعيشها ويعانيها الشعب فعلا. وفي إشارتهم إلى نجاح السينما السوفيتية في الثلاثينات، هم يحلمون بالجماهير الآن وحالا، باذلين أقصى ما يمكن في التظاهر بأن شيئًا لم يتغير في العلاقة بين الفيلم والجمهور منذ ذلك الوقت.
لكن الماضي – على نحو رحيم – لا يمكن استعادته. الوعي الفردي بالذات ومنزلة الرؤى الذاتي عن الحياة تصبح مهمة أكثر. وبسبب ذلك تتطور السينما، شكلها يصبح مركبا أكثر، براهينها تصبح أعمق. إنها تسبر القضايا التي تجلب معا أناسا متباعدن أكثر ذوي تواريخ مختلفة، شخصيات متباينة وحساسيات غير متماثلة. المرء لا يعود يستطيع أن يتخيل رد فعل متفق عليه بالإجماع تجاه عمل فني حتى لو كان أقل إثارة للجدل أو الخلاف، وأيًا كان عمقه أو حيويته. الوعي الجمعي المتوالد بواسطة الأيدلوجية الاشتراكية الجديدة قد أرغمته ضغوطات الحياة الواقعية أن يفسح المجال للوعي الذاتي. الفرصة الآن سانحة لصانع الفيلم وللجمهور من أجل المشاركة في حوار بناء وادف من النوع الذي يرغب فيه ويحتاجه كلا الطرفين. المخرج والمتفرج متحدان بفعل الاهتمامات والميول والأهواء حتى الأفراد الأكثر إثارة للاهتمام عرضة لأن يثيرواضجر بعضهم البعض، وإيقاظ تعارض غريزي أو كراهية فطرية أو سخط متبادل. ذلك طبيعي، ومن الواضح أن حتى الأعمال الكلاسيكية لا تحتل مكانًا مماثلا في التجربة الذاتية لكل شخص.
أي فرد مؤهل لتقدير وإدراك الفن سوف يحصر، على نحو طبيعي، نطاق الأعمال المفضلة لديه وفقًا لأهوائه وميوله الأعمق. والمؤهل لإصدار الأحكام وتحديد اختياراته الل\خاصة ليس بالضرورة قادرًا على هضم كل شيء بنهم. وحتى بالنسبة لشخص ذي حس جمالي متطور، لا يمكن أن يكون هناك أي قولبة وأي تقييم " موضوعي" ( من يكونون هؤلاء القضاة الذين وضعوا أنفسهم فوق العالم لغرض إصدار أحكام " موضوعية"؟)
. . .
" ينبغي أن أعترف بأني قبل ظهور فيلمي الطويل الأول " طفولة إيفان" لم أكن أشعر بأنني مخرج سينمائي، ولم تكن للسينما أي معرفة طفيفة بوجودي. فقط بعد ( إيفان ) أدركت أن علي أن أعمل في السينما. حتى ذلك الحين كانت السينما عالمًا مغلقًا بالنسبة لي إلى حد أنني لم أكن أملك أية فكرة واضحة عن الدور الذي هيأه لي أستاذي ميخائيل روم.
كان ذلك أشبه بالسفر عبر مسالك متوازية والتي أبدًا لا تحاذي ولا تؤثر في بعضها البعض. المستقبل لم يمس الحاضر. لم يكن جليا بالنسبة لي، في المستوى الأعمق، ما الذي ستكون عليه وظيفتي. حتى الآن لا أستطيع أن أرى ذلك الهدف الذي لا يمكن بلوغه إلا من خلال صراع المرء مع نفسه، والذي يعني موقفا صريحا، مصاغًا لكل زمان. ذلك الهدف سوف يظل ثابتًا إلى الأبد – مع أن الوسائل المستخدمة في ملاحقة الهدف يمكن أن تتغير – ذلك لأنه يعين وظيفة الفرد الأخلاقية.
كان ذلك في الوقت الذي، على نحو احترافي، كنت أوجد لنفسي ذخيرة من التقنيات التعبيرية، وفي الوقت نفسه كنت أبحث عن أسلاف، عن آباء، عن مجرى واحد من التقاليد والذي سوف لن يتعرض للانتهاك من قبل جهلي وأميتي. كنت قد بدأت في معرفة السينما عمليا: الحقل الذي تعين أن أعمل فيه.
إن تجربتي توضح بأن تعلم شخص ما في معهد السينما لا يخلق منه فنانا. وأن تصبح فنانا لا يعني تعلم شيء ما، واكتساب تقنيات ومناهج مهنية فحسب. في الواقع، وكما قال أحدهم، لكي تكتب جيدا ينبغي أن تنسى القواعد.
أي شخص يقرر أن يصبح مخرجًا فإن يختار المجازفة، وهو وحده المسؤول عن قراره. ولابد أن يكون قرارًا واعيًا ويتخذه شخص ناضج. المجموعة الهائلة من المدرسين، الذين يحاولون إعداد الشخص ليصبح فنانا، ليس بوسعهم تعويض الذين يخفقون عن كل السنوات التي ضحوا بها وفقدوها في المعهد. هؤلاء يأتون مباشرة من المدرسة. إن اختيار الطلبة من هذا النوع لا ينبغي أن يتم على نحو عملي، ذرائعي، ذلك لأنه يتضمن بعدا أخلاقيا: ثمانون في المئة من الذي درسوا ليصبحوا مخرجين أو ممثلين شكلوا صفوفًا من غير المؤهلين مهنيًا والذين أمضوا حياتهم يدورون حول السينما. الغالبية منهم تنقصهم المقدرة على الانسحاب من مجال السينما والانتقال إلى مهنة أخرى. بعد تكريس ست سنوات في دراسة السينما، يبدو من الصعب للبعض أن يتخلى عن أوهامه.
الجيل الأول من صانعي الأفلام السوفييت شكلوا ظاهرة عضوية متناسقة الأجزاء. لقد استجابوا لنداء القلب والروح. إن مافعلوه كان مدهشًا حقا لكن كان أيضًا طبيعيًا بالنسبة لزمنهم.. وهي الحقيقة التي يخفق الكثيرون الآن في إدراكها وتقديرها."
. . .
" عندما أفكر في السنوات التي أمضيتها كطالب في معهد السينما، حين كنت أستعد لدخول المهنة التي كان من المقدر لي أن أمكث فيها بقية حياتي، وفي ضوء حياتي العملية اليوم، فإن تجربة سنوات الدراسة تلك تبدو فاترة، غريبة إلى حد ما.
كنا نعمل كثيرًا في الموقع ونحن نتدرب على الإخراج أو تأويل الأداء أمام جمهور من الطلبة، وكنا نكتب كثيرًا، ونعد سيناريوهات لأنفسنا من مادة التدريس. لم نكن نشاهد أفلاما كافية ( والآن، حسب علمي، يشاهد طلبة المعهد عددا أقل من الأفلام) لأن الأساتذة والإدارة كانوا خائفين من التأثير المهلك للأفلام الغربية، والتي قد يتلقاها الطلبة " على نحو نقدي" أقل مما ينبغي. بالطبع هذا مناف للعقل: كيف يمكن لأي شخص أن يتجنب السينما العالمية المعاصرة ويريد مع ذلك، أن يمارس هذه المهنة؟ هل يستطيع المرء أن يتصور رسامًا لا يرتاد المتاحف أو لا يذهب إلى مراسم زملائه، أو كاتبًا لا يقرأ الكتب، أو مصور سينمائيا لا يشاهد أفلامًا؟"
Thursday, January 08, 2009
النحت في الزمن 2
Subscribe to:
Post Comments (Atom)



0 أنفاس:
Post a Comment